“اعتبرها تَـــــــــمْــــــــــــــــــــــت”..
“تم”.. تُغيّر مفهوم الخدمات الحكومية في أبوظبي عبر الذكاء الاصطناعي
“تم”.. تُغيّر مفهوم الخدمات الحكومية في أبوظبي عبر الذكاء الاصطناعي
أبو ظبي، الإمارات العربية المتحدة – في عالمٍ يتسارع فيه إيقاع الحياة بصورةٍ غير مسبوقة، باتت الثواني والدقائق أغلى من أن تُهدر بين أروقة المكاتب وطوابير الانتظار، وأصبح تقليص الوقت وتبسيط الإجراءات هدفاً استراتيجياً تتنافس الحكومات لتحقيقه. وهو ما نجحت فيه أبوظبي عبر منصتها الرقمية للخدمات الحكومية “تم”، تلك المنصة التي جسّدت رؤية الإمارة في التحول الرقمي. فمن خلال تطبيق “تم”، توفر المنصة مئات الخدمات الرسمية تحت مظلة رقمية موحدة، متاحة لجميع الأفراد والشركات على مدار الساعة، وعبر مختلف أنواع الهواتف والأجهزة الذكية. ليُصبح هذا التطبيق نموذجاً رائدًا في توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لخدمة سكان الإمارة، وتجسيدًا عمليًا لالتزام أبوظبي بتقديم خدمات حكومية رفيعة المستوى تعتمد على الابتكار والكفاءة وسرعة الإنجاز.
على مدار خمسة عشر عاماً قضاها في أبوظبي منذ عام 2010، كان حماد حنيف باشا، مستشار تكنولوجيا المعلومات، شاهدًا على رحلة التحول الرقمي التي خاضتها حكومة أبوظبي. واليوم يؤكد بثقة أنه لم يضطر إلى زيارة أي مقر حكومي منذ سنوات، وذلك بفضل تطبيق “تم“، الذي يضع بين يديه أكثر من 950 خدمة حكومية. فتحولت الإجراءات الحكومية إلى خدمات رقمية تُنجز في لحظات، دون عناء التنقل والازدحام المروري أو الانتظار في الطوابير.
ويقدم تطبيق “تم” في نسخته المطورة 3.0، خدماته الحكومية لأكثر من 2.5 مليون مواطن ومقيم وشركة في أبوظبي، مُسجلاً أكثر من 10 ملايين معاملة خلال العام الماضي فقط. بدءًا من دفع الغرامات المرورية وصولًا إلى الحصول على عقود الزواج. وبفضل تقنيات الذكاء الاصطناعي، المدمجة في “تم” أصبح الحصول على معلومات دقيقة وإجابات وافية حتى عن أكثر الإجراءات الحكومية تعقيدًا، أسهل من أي وقت مضى. يكفي فقط إرسال رسالة نصية بالسؤال أو الاستفسار إلى المساعد الذكي المدمج في التطبيق ليتم الرد مباشرة أو تنفيذ الخدمة المطلوبة.
وفي هذا السياق يروي حامد باشا تجربته الشخصية مع التطبيق خلال رحلته لإنهاء إجراءات تسجيل سيارته، قائلًا: “في الماضي كانت الإجراءات تستغرق ما بين 3 إلى 4 أيام، ما بين الذهاب لفحص السيارة، ثم العثور على شركة التأمين المناسبة، وغيرها من الإجراءات التي تتطلب زيارات متعددة، أما الآن أصبحت الإجراءات أبسط، بل وأصبحت عملية اختيار بوليصة التأمين الأنسب مدعومة بتوصيات مخصصة يقدمها روبوت المحادثة الذكي داخل المنصة”.

وتتجاوز “تم” حدود التطبيق الرقمي، لتشكل نموذجًا متكاملًا يعكس رؤية أبوظبي في إعادة صياغة تجربة الخدمات الحكومية، حيث نجحت الإمارة في توحيد مختلف الجهات الحكومية تحت مظلة رقمية واحدة، مدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي والبنية السحابية المتطورة. إذ تعتمد المنصة في عملها على الحلول المتقدمة التي توفرها خدمة “Microsoft Azure OpenAI Service”، إلى جانب منصة “G42 Compass 2.0” التي طورتها مجموعة G42 الإماراتية، المتخصصة في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية. والتي توفر وصولًا مباشرًا إلى نماذج لغوية مفتوحة المصدر، يأتي في مقدمتها نموذج “JAIS” الأبرز عالميًا في معالجة اللغة العربية، إلى جانب نموذج “GPT-4 ” من “Microsoft Azure OpenAI”.
ويؤكد الحمادي أن هذا التكامل التقني يمثل نقلة نوعية في خدمات “تم”، خاصة بعد إعلان مايكروسوفت في عام 2024 عن استثمارها الاستراتيجي في G42، بهدف تقديم حلول متقدمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي عبر سحابة “Microsoft Azure” لدعم التحول الرقمي في مختلف القطاعات بأسواق الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وأفريقيا، مشيرًا إلى أن التوظيف الذكي للتقنيات الحديثة ساهم في جعل “تم” بمثابة جسر رقمي يختصر المسافات بين الجهات الحكومية والجمهور، لتنتهي بذلك حقبة المعاملات الورقية، وزيارات الدوائر الحكومية، وطوابير الانتظار.
فيما تكشف تجربة “كلوي ويلسون”، المقيمة في أبوظبي منذ عشر سنوات، جانبًا آخر من أهمية تطبيق “تم”. الذي لم يكن بالنسبة لها مجرد منصة خدمات، بل تحول إلى طوق نجاة عندما تعرضت إلى موقف استثنائي. ففي إحدى رحلاتها إلى المملكة المتحدة، فوجئت “كلوي” عند بوابة المغادرة بوجود مشكلة في إجراءات التأشيرة الخاصة بها، ما هدد بتأخير رحلتها بالكامل.
تقول “كلوي” التي تعمل في مجال التسويق المؤسسي وهي مدربة محلية للدراجات الهوائية: “شعرت بارتباك شديد وبدأت بالبكاء، لم أكن أعلم كيف أتصرف. ففتحت تطبيق “تم” على هاتفي بحثًا عن حلٍ سريع، وعندما لم أجد الإجابة في الخيارات المتاحة، تواصلت مع خدمة الدعم داخل التطبيق. “ردّ عليّ الموظف بهدوء وطمأنني بأن المشكلة قيد التحديث، وطلب مني الانتظار لدقائق، وبالفعل حُلّت المشكلة بسرعة وأكملت رحلتي دون تأخير”.
“كان الوضع مختلفًا تمامًا قبل إطلاق التطبيق، إذ كانت كل معاملة تستغرق أوقاتًا طويلة ما بين التنقل بين جهاتٍ متعددة، والانتظار في طوابير طويلة. أما اليوم، فبضغطة زر عبر “تم”، أتمكن من إنجاز كل شيء، من تجديد الإقامة إلى دفع المخالفات المرورية، بسهولة لم أكن أتخيلها من قبل”
كلوي ويلسون تعيش في أبو ظبي منذ 10 سنوات، تستخدم تطبيق “تم” في كل شيء بدءا من تجديد التأشيرات إلى دفع الغرامات المرورية – تصوير كريس ويلش لصالح مايكروسوفت.

لا يقتصر الابتكار في “تم” على تقديم الخدمات الرقمية وحدها، بل يمتد أيضًا إلى بيئة العمل نفسها. فمن داخل المقر الرئيسي للتطبيق، أو كما يسميه فريق العمل “مصنع تم”، يبدو المشهد أشبه بأجواء شركات التكنولوجيا الناشئة، حيث المساحات المفتوحة المخصصة للاجتماعات، والشاشات الضخمة التي تعرض بشكل لحظي أحدث بيانات رضا المتعاملين ومستويات الأداء.
وفي هذا السياق يؤكد المدير التنفيذي لقطاع رعاية وسعادة المتعاملين في “تم”، أن بيئة العمل المرنة التي يتمتع بها التطبيق تعزز من رضا فريق العمل نفسه، مشيرًا إلى أن روح الابتكار والديناميكية المستمرة تمنح الفريق شعورًا بالحماس بعيدًا عن النمط الوظيفي التقليدي. فمع كل تحديث جديد أو ميزة جديدة، يبقى الفريق مستيقظًا حتى ساعات متأخرة من الليل للتأكد من أن كافة التفاصيل تعمل بأعلى جودة قبل إطلاق الخدمة رسميًا للمتعاملين.
وفي إطار توسيع نطاق خدماته الرقمية أطلق “تم” مؤخرًا خدمة الإبلاغ الذكي من خلال الصور، والتي تتيح للمتعاملين التقاط صورة لأي مشكلة في الأماكن العامة، سواء حفرة في الطريق أو إشارة مرور معطلة، ليقوم المساعد الذكي المدمج في التطبيق بتحليل الصورة، واستكمال البيانات المطلوبة تلقائيًا، وإحالة البلاغ إلى الجهة المعنية ومتابعة حالة الإصلاح بشكل فوري، مع إبقاء المتعامل على اطلاع دائم بمستجدات البلاغ لحين استكمال إجراءات الإصلاح وعودة الأمور إلى وضعها الطبيعي. وفي هذا السياق يؤكد حمد عبد الله سليمان الحمادي، المدير التنفيذي لقطاع رعاية وسعادة المتعاملين في “تم”، أن المنصة لا تكتفي بتقريب الخدمات الحكومية من الجمهور، بل تسهم أيضًا في تقليص الانبعاثات الكربونية وتقليل استهلاك الورق والمحروقات، عن طريق تقليل الحاجة للتنقل بين الجهات الحكومية.
ويستعرض الحمادي سجل معاملاته الشخصية على التطبيق، والذي يشمل سداد فواتير الكهرباء والمياه، وتسوية المخالفات المرورية، إلى جانب تقرير شامل لنشاطه الحكومي السنوي، قائلًا:” خلال العام الماضي فقط، تقدمت بأكثر من 70 معاملة عبر “تم”، مما يعني أنني وفرت استخدام 350 ورقة تقريبًا، وهذا بالنسبة لي فقط. أما على مستوى المنصة ككل، فقد أسهمت “تم” في توفير أكثر من 12 مليون معاملة ورقية، وإنقاذ 6000 شجرة من خطر القطع”.

يعكس تطبيق “تم” بُعدًا إنسانيًا يتجاوز كونه مجرد منصة ذكية لإنجاز المعاملات الحكومية، إذ بات شريكًا داعمًا لأفراد المجتمع بمختلف فئاتهم، وفي مقدمتهم أصحاب الهمم. محمد حامد، أحد المقيمين في أبوظبي والمتخصص في قطاع تكنولوجيا المعلومات، يروي كيف أصبح “تم” بوابته السريعة والآمنة لإنجاز الإجراءات الخاصة بابنه خالد، البالغ من العمر 16 عامًا، والذي يعاني من مشاكل في القراءة وأحد أشكال طيف التوحد.
يروي حامد الصعوبات التي كان يواجهها في السابقة عند استخراجه لبطاقة أصحاب الهمم، والتي تعد مطلبًا أساسي للحصول على الخدمات المخصصة لهذه الفئة، حيث يقول: في الماضي كانت هذه الاجراءات تستغرق شهرًا كاملًا، وتمر بمراحل معقدة وغير مفهومة، لكن اليوم مع “تم”، تغير المشهد بالكامل، وأصبحت الإجراءات بسيطة وواضحة، حتى إننا إذا ما واجهنا أي استفسار، نجد فريق الدعم حاضرًا بتواصل سريع وإجابات دقيقة، بل إنهم يتابعون معنا حتى يتأكدوا من أن كل شيء تم على أكمل وجه، وأنا أقدر ذلك لهم جدًا”

خلفان الجسمي، مدير تنفيذ تطبيق “تم”، يؤكد أن هدف المنصة لا يقتصر على مجرد تقديم الخدمات الحكومية الرقمية عبر الهواتف الذكية، وإنما توفير الحلول لكل فئات أفراد المجتمع، بما في ذلك كبار السن أو الذين لا يجيدون التعامل مع التطبيقات الذكية. لافتًا إلى أن المنصة توفر مراكز خدمة مجهزة تقدم نفس التجربة الموحدة لمن يحتاج إلى الدعم المباشر، كما توفر المنصة أيضًا خدمة الزيارات المنزلية التي تتيح لموظفي “تم” زيارة منازل كبار السن أو أصحاب الحالات الخاصة وتقديم الخدمة لهم بشكلٍ مباشر.
ويوضح الجسمي أن الإصدار الأحدث من “تم”، والمدعوم بالمساعد الذكي متعدد اللغات، يقدم تجربة حوارية سلسة عبر النصوص والرسائل الفورية، مشيرًا إلى أنه في المستقبل القريب سيتمكن المتعاملون من التواصل مع المساعد الذكي صوتيًا وتكليفه بتنفيذ مهام مباشرة، وذلك عن طريق الضغط على أيقونة الصقر الموجودة داخل التطبيق، ليبدأ المساعد الذكي بالتفاعل المباشر مع المستخدم، وتقديم المعلومات المطلوبة أو استكمال المعاملات التي قام بها المتعامل. وهي خطوة تعكس التزام حكومة أبوظبي بإحداث نقلة نوعية في الخدمات الرقمية.
من جهته، يعتبر حماد حنيف باشا، أحد المستخدمين الدائمين للتطبيق، أن “تم” ليس مجرد تطبيق على هاتفه الذكي، بل يراه تجسيدًا حيًا لرؤية أبوظبي في تمكين المجتمع عبر توظيف أحدث التقنيات. قائلًا: “التطبيق غيّر الكثير في حياتنا اليومية. إلى الأفضل فهو لا يرسم ملامح مستقبل الخدمات الحكومية في أبوظبي فحسب، بل اصبح جزءًا رئيسيًا من حياة المقيمين في الإمارة سواء من كانوا يعيشون في المدينة أو في المناطق البعيدة.