التحول الرقمي يسهم في تعزيز مرونة سلاسل التوريد

Employee uses a tablet to scan in product barcodes of company stock

فرض التحول الرقمي وتجارة التجزئة عبر الإنترنت واقعاً جديداً لم يكن متصوراً قبل أعوام قليلة حيث أصبحت احتياجاتنا على بعد نقرة واحدة. فقد شكّل الاستهلاك عند الطلب طبيعة حياتنا لفترة طويلة إلا أن تفشي فيروس كورونا قلب طبيعة الاستهلاك رأساً على عقب حيث بات الحصول على الأطعمة والأدوية وحتى المناديل الورقية بالطريقة التقليدية صعب المنال.

ففي الوقت الذي اصطفت فيه طوابير المستهلكين أمام أبواب المحال التجارية، واجهت العديد من الشركات تحديات متعلقة بإمكانية توزيع مخزونها من المنتجات في ظل قيود الحظر المفروضة من قبل الحكومات. في هذا الإطار، اضطر أحد المزارعين في مالي إلى التخلص من محصول المانجا بسبب التأخير في نقل منتجاته إلى السنغال والناجم عن هذه القيود. كما رصدت تقارير لمجلس شرق إفريقيا للحبوب وجود شاحنات يبلغ طولها 50 متراً عالقة على الحدود التي تربط بين كينيا وأوغندا.

أسفرت هذه التحديات المرتبطة بانتشار فيروس كورونا عن ضغوط على مختلف جوانب سلاسل التوريد كما عززت من أهمية هذا المجال بالنسبة لنا كمستهلكين. وبصفته رئيس مايكروسوفت في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا، سلّط رالف هاوبتر في منشور له على لينكد إن الضوء على هذه النقطة قائلاً: “اكتسبنا كمستهلكين خبرات في مجال سلاسل التوريد بالنظر إلى صعوبة التكهن بالطلب والتوريد”. وأضاف هاوبتر: “باتت حماية شبكات المصنعين والموزعين والمستهلكين والحيلولة دون توقف عملها أولوية قصوى لدى قادة الأعمال لمواجهة التحديات المستقبلية”.

كيف يبدو العمل في الخطوط الأمامية أثناء تفشي الوباء؟

A forklift driver at one of DHL’s warehouses in Beringe, the Netherlands
سائق رافعة شوكية، أحد “أبطال DHL” في مستودع بمنطقة بيرنج في هولندا

لا يمكن إغفال مدى اعتماد المجتمعات على العمليات المستمرة لسلاسل التوريد، ففي الوقت الذي اضطر فيه العديد من مقدمي الخدمة إلى تعليق عملياتهم، لم يتوقف الطلب على المواد الاستهلاكية الأساسية، الأمر الذي أجبر أصحاب المصلحة والأطراف الفاعلة في سلاسل التوريد من الموردين والمصنعين وحتى مقدمي الخدمات اللوجستية إلى الاستمرار في عملياتهم على الرغم من إجراءات الحظر المفروضة. ومن أبرز الأمثلة في هذا المجال شركة الخدمات اللوجيستية DHL والتي لعبت دوراً محورياً في توفير معدات الوقاية الشخصية والأدوية وغيرها من المواد الطبية الحيوية في الوقت المناسب.

في هذا الصدد، أكّد المدير التنفيذي لشركة DHL لخدمات سلاسل التوريد العالمية في أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا هندريك فنتر على حرص الشركة على تأمين سلامة فريقها من موظفي التوصيل والعاملين في المستودعات فضلاً عن الموظفين العاملين في مكاتب الشركة الرئيسية. وأضاف قائلاً :”ان اتباعنا لإجراءات السلامة يساعدنا على خدمة عملائنا وتمكينهم من الحصول على احتياجاتهم الخاصة في ظل ظروف الأزمة الراهنة”.

أسهمت قدرة شركة DHL على تأمين سلامة موظفيها في تمكينها من التركيز على عملائها حول العالم، فخلال فترة قياسية قام كل من فنتر وفريقه بالتركيز على البنية التحتية التكنولوجية للشركة لاتخاذ قرارات مدروسة أثناء القيام بخدمة العملاء. مكنت البرمجيات التي تدعم السحابة فريق الشركة من الولوج بسهولة إلى المعلومات الخاصة بجميع مستودعات ومراكز توزيع  DHL المنتشرة على نطاق واسع.

وشدد فنتر على أهمية هذا الموضوع قائلاً :” الوصول السريع إلى البيانات والمعلومات كان دائماً على قدر كبير من الأهمية إلا أن الوباء أظهر بما لا يدع مجالاً للشك الحاجة المتزايدة للرؤية الشاملة عبر سلاسل التوريد لتمكين الاستجابة السريعة. فالبنية التحتية القوية لتكنولوجيا المعلومات والأدوات الفاعلة للتنبؤ بكميات ضخمة من البيانات وتحليلها في الوقت الفعلي تسهم في جعل سلاسل التوريد أكثر ذكاء”.

شمولية الرؤية تسهم في تحقيق الوضوح  والشفافية

كما تقدم أظهرت جائحة كورونا الأهمية المتعاظمة للرؤية الشاملة في سلاسل التوريد لتمكين المؤسسات والمنظمات من الاستجابة السريعة أثناء الأزمات. لم تقتصر هذه الآثار على جانب الموردين ومقدمي الخدمة فقط؛ فقد وفرت الأزمة قدراً غير مسبوق من الشفافية بالنظر إلى رغبة المستهلكين في معرفة مصدر المنتجات التي يقومون باستخدامها. في هذا الإطار يتعين على المنظمات والشركات العمل بصورة احترافية وأخلاقية مستدامة وهو الأمر الذي يمكن أن يتحقق من خلال رقمنة سلاسل التوريد.

من أبرز الأمثلة في هذا المجال هو استخدام تقنية الـ blockchain  في صناعة القهوة. ففي إطار محاولاته لتعزيز الشفافية في طريقة العمل، لجأ عملاق صناعة القهوة ستاربكس الذي يعمل مع مزارعي حبوب القهوة على نطاق صغير في بوروندي ورواندا إلى فهم احتياجاتهم وتزويدهم بحلول رقمية مخصصة لهم لتمكينهم من دخول أسواق جديدة ، بالاضافة تقديم دعم مالي لهم بالإضافة إلى إدارة محاصيلهم بصورة أفضل.

أدركت شركة التكنولوجيا الاجتماعية FRDM  الحاجة لإضفاء مزيد من الشفافية على سلاسل التوريد فقامت ببناء لوحة تحكم مصممة حسب الحاجة تمكن المؤسسات من تتبع المنتجات والخدمات وصولاً إلى مصدرها. من شأن هذه الخطوات الهامة والمدروسة أن تسهم ليس فقط في جعل سلاسل التوريد أكثر شفافية بل أيضاً أكثر استجابة ومرونة في مواجهة الاضطرابات.

الرؤية المستقبلية

A docked cargo ship stands ready to have stock offloaded

أثبت هذا العام صعوبة التكهن بما يمكن أن يحمله المستقبل، إلا أن ذلك لا يعني عدم إمكانية تقليص الآثار الناجمة عن عدد من المخاطر مثل الإغلاقات والتأخيرات التي قد  تطرأ على التوصيل فضلاً عن الارتفاع غير المتوقع في الطلب على المواد الاستهلاكية.

على سبيل المثال لا يزال مفهوم انتقال العمليات إلى أسواق أقرب “nearshoring” حديث العهد في منطقة الشرق الأوسط إفريقيا. يعكس هذا المفهوم العملية التي تقوم من خلالها الشركات بتخزين منتجاتها أو نقل خدماتها إلى موقع أقرب إلى السوق الذي تتواجد فيه عملياتها. يسهم هذا المفهوم في تقليل المخاطر المرتبطة بإجراءات الإغلاق والحظر، فضلاً عن فوائدها المتمثلة في تقليص الوقت اللازم للوصول إلى الأسواق وزيادة الطلب.

في الوقت الذي يدرك فيه المصنعون ومقدمو الخدمات أهمية الانتقال من الأسواق التقليدية  إلى أسواق قريبة واستراتيجية، قد تغدو الإمارات العربية المتحدة سوقاً جاذبة لعمليات انتقال من هذا النوع. في هذا الإطار، جلب مشروع تعزيز القدرات الصناعية والشراكات الاستثمارية بين الصين والإمارات العربية المتحدة 20 شركة صينية ليس فقط لأغراض التخزين بل أيضاً للتصنيع داخل الإمارات. من هنا يكتسب الإقليم أهميته كنقطة وصل بين الشرق والغرب.

تسهم كل من المرونة والتنوع التي تقدمها التكنولوجيا في تمكين الأعمال التجارية من اكتساب المرونة اللازمة خصوصاً خلال الأزمات. إن الانفتاح والجاهزية للاستجابة لاحتياجات العملاء ومتطلبات الحكومات وتوقعات المستهلكين هي كلمة السر لتميز الشركات عن غيرها وتمكينها من الاستمرارية.

منشورات ذات صلة